الشيخ محمد الصادقي

372

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

فتزيح كافة أعذار العصيان من البين ، عن الرسول كمتبوع ، وعنهم كأتباع ، ليبقى المكذبون به مدحضين . فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ عليك التذكير ما نفع ، وإن كان كحجة قاطعة العذر على الشاردين ، مهما تقولوا عليك بتهمة الكهانة أو الجنون « 1 » فلا يثنك عن واجب التذكير فريتهم الحمقاء السوء التي ترجع إليهم بكل فضيحة وتبوء . ترى أن نعمة الوحي الرباني المحمدي ، وهي أنعم النعم الروحانية ، اللائحة من أقواله وأفعاله ، هل إنها تسبب الكهانة أو الجنون ، أو تصاحبهما « 2 » ؟ إذا فنقمة الوحي الشيطاني الواضحة في المفترين هي التي تعارضهما وتفاصلهما ؟ فما أجن وأكهن هؤلاء الحماقي ، فإذ لا يجدون مناصا عن حجته البالغة ، يتهمونه بالكهانة والجنون ، اللذين يطاردهما بالوحي الحنون ، وان العجب ليأخذ كل من درس شيئا عن سيرة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من تقولهم هذا ، وهم الذين عرفوه برجاحة العقل والأمانة بينهم حتى لقبوه بمحمد الأمين ، ثم إذ بعث بما لا يلائم شهواتهم وحرياتهم اتهموه وبهتوه . والفرق بين الكهانة والجنون ، أن الثاني فقدان العقل فلا تنضبط أفكاره وتصرفاته ، والأول الإخبار بالأخبار الخفية الماضية والمستقبلة بضرب من الظن ، الصادرة عن الشياطين المسترقين السمع المرجومين ويعرفان بمناقضة كل مع نفسه ، ومع الواقع والعقل ، فأين المناقضة من هذه وتلك في مقالات الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأفعاله لكي يستحق تهمة الكهانة أو الجنون ؟ ! أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ : شاعر لا مخلص منه إلا أن نتربص به اضطراب الموت ، فإنما بموته ، وبموته فقط ، يموت ذكره ، وتموت

--> ( 1 ) . راجع سورة القلم ص 59 ج 29 من الفرقان . ( 2 ) . الباء هنا محتمل الوجهين : السببية والمصاحبة ، بسبب النعمة أو مصاحبتها .